قصيدة شباب ضائع من أروع قصائد الشاعر محمد مهدي الجواهري نشرت عام 1937م:
| ذَخَرتُ لأحداثِ الزّمانِ يَراعا | يُجيد نِضالاً دونَها وقِراعا |
| وأعددْتُه للطارئاتِ ذَخيرةً | يُزيحُ عن الشرِّ الكمينِ قناعا |
| وألفيتُني في كلِّ خطبٍ يَنُوبُه | أُدافعُ عنه ما استطعتُ دِفاعا |
| وما في يدي إلاّ فؤادي أنَرْته | لِيُلْقي على سُودِ الخطوبِ شُعاعا |
| وكلّفْتُ نفسي أنْ تُحَقِقَ سُؤلْها | سِراعاً ، أو الموتَ الزؤامَ سراعا |
| وما ذاك إلاّ كالمؤدّي رسالةً | رأى كَتْمَها حَيْفاً بها فأذاعا |
| أهبتُ بشبانِ العراقِ وإنَّما | أردتُ بشعري أن أهيجَ سباعا |
| أنفْتُ لهذا النشءِ بينا نُريده | طويلاً على صدّ الكوارثِ باعا |
| يَدِبُّ الى البلوَى هزيلا كأنه | ربيبُ خُمولٍ نَشْأةً ورَضاعا |
| فما استَنْهضتْ منه الرزايا عزائماً | ولا أحْكَمَ التجريبُ منهُ طباعا |
| فلا هو بالجَلْدِ المُطيقِ احتمالها | ولا بالشُّجاعِ المستميتِ صراعا |
| فكم زعزعٍ ما حرّكَتْ منه ساكناً | وكم فُرَصٍ عنّت له فأضاعا |
| لقد طبقّ الجهلُ البلادَ وأطْبَقَت | على الصّمتِ شبانُ البلادِ جَماعا |
| وإنَّك لا تَدري أنشءاً مهذباً | تَسوقُ الرزايا أم تسوقُ رعاعا |
| بمصرَ ومصرٌ ما تزال طريدةً | شرى الظلمُ منها ما أراد وباعا |
| دويُّ شبابٍ أرْجَفَ الجورُ وقعَه | وزعزعَ من بُنيانِهِ فتداعى |
| لنا كلُّ هيئاتِ الشبابِ تَصَنُّعاً | وأزيائهم تمويهةً وخِداعا |
| وليس لنا إلاّ التطاحنُ بيننا | عِراكاً على موهومةٍ ونزاعا |
| هَلُمّوا الى النشء المثقّفِ واكشِفوا | حجاباً يُغَطّي سَوءةً وقناعا |
| تروا كلَّ مفتولِ الذراعين ناهداً | قصيراً إذا جدَّ النّضالُ ذِراعا |
| وكلَّ أنيقِ الثوبِ شُدَّ رباطُه | إلى عُنُقٍ يُعشي العيونَ لمَاعا |
| يموعُ إذا مسّ الهجيرُ رداءه | كما انحلَّ شَمْعٌ بالصِلاء فماعا |
| تراه خليَّ البالِ أن راح داهناً | وأن قد ذكا منه الأريجُ فضاعا |
| وليس عليه ما تكاملَ زيُّه | إذا عَرِىَ الخَلْقُ الكثيرُ وجاعا |
| وأن راحَ سوطُ الذُّلِ يُلهب أمةً | كراهِيَةً يستاقُها وطَواعا |
| ولم تُشجِهِ رؤياً وسمعاً قوارعٌ | يسوء عياناً وقعُها وسَماعا |
| وربَّ رءوسٍ بَرْزَةٍ عشّشت بها | خُرافاتُ جهلٍ فاشتكَيْنَ صُداعا |
| وساوسُ لو حققّتَها لوجدتَها | من المهدِ كانت أذؤباً وضباعا |
| بها نوّمَتَنْا الأمهاتُ تخوّفاً | وما أيقظتنا الحادثاتُ تِباعا |
| ومُرّوا بأنحاءِ العراقِ مُضاعةً | وزوروا قرىً موبوءةً وبقاعا |
| تروا من عِراقٍ ضاع ناساً تسوءكم | عراةٌ ، حفاةٌ ، صاغرين ، جياعا |
| وإنَّ شباباً يرقَبُ الموتَ جائعاً | متى اسطاعَ عن حوْضِ البلاد دفاعا |
| وإنَّ شباباً في التبذل غاطساً | متى كان درعاً للبلاد مَناعا |
| غَزَتْ أمم الغربِ الحياةَ تُريدُها | وما زوُدَّت غيرَ الشبابِ متاعا |
| رأى شعبه مُلكاً مُشاعاً لخيره | فأصبح مُلكاً للبلاد مشاعا |
| إذا أصحرتْ للخطب كان شبابُها | حصوناً منيعاتٍ لها وقلاعا |
| فقرَّبتِ الأبعادَ عزماً وِهمّةً | وأبدلَتِ الدهرَ المطاولَ ساعا |
| ونحن ادّخَرْنا عُدّةً من شبابِنا | هزيلاً ومنخوبَ الفؤاد يراعا |
| إذا ما ألّمت نكبةٌ ببلاده | مضى ناجياً منها وحلّ يفاعا |
| زوى الشعبُ عنه خيرَه ورفاهَه | فلو سِيمَ فَلْساً بالبلاد لباعا |
| يرى في الصناعاتِ احتقاراً ويزدهي | إذا طَمْأنَ التوظيفُ منه طماعا |
| وها نحن في عصرٍ يَفيضُ صناعةً | نرى كلَّ من حاك الحصيرَ صناعا |
| نقاوِمُ بالعود البوارِجَ تلتظي | ونعتاضُ عن حدّ البخارِ شِراعا |
| كَرُبْتُ على حالٍ كهذي زريَّةٍ | أقول لأحلامٍ حلمتُ وَداعا |
| على أنّني آسٍ لعقلٍ مهذَّبٍ | وقلبٍ شُجاعٍ أن يَروحَ ضياعا |
| وَجَدْتُ جباناً من وَجدْتُ مُهذَّباً | وَجَدْتُ جهولاً من وَجَدتُ شُجاعا! |





شرح البيت إذا اصحهرت
ردحذف